الخطيب الشربيني

134

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

قال القرطبي : ومن هذا المعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله تعالى » « 1 » ولقد أحسن من قال « 2 » : ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه * فإنك تردى إن فعلت وتخذل ودونك مخلوقاته فاعتبر بها * وقل مثل ما قال الخليل المبجل وقيل : المراد من الآية التوحيد وفي المخاطب وجهان : أحدهما : أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل والثاني : أنه خطاب مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فعلى الأول يكون تهديدا وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فعلى الأول تكون اللام في المنتهى للعهد المعهود في القران وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى . وقوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أي : لا غيره أَضْحَكَ وَأَبْكى يدل على أنّ كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم مر على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 3 » فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال يا محمد إنّ الله يقول لك : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى أي : قضى أسبابهما فرجع إليهم صلى اللّه عليه وسلم فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال : ائت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول : هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى أي قضى أسباب الضحك والبكاء وقال بسام بن عبد الله أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم وأنشد يقول « 4 » : السنّ تضحك والأحشاء تحترق * وإنما ضحكها زور ومختلق يا رب باك بعين لا دموع لها * ورب ضاحك سنّ ما به رمق وقال مجاهد والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار ، وقال الضحاك : أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقال عطاء بن أبي مسلم : يعني أفرح وأحزن لأنّ الفرح يجلب الضحك ، والحزن يجلب البكاء وقيل : إنّ الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من سائر الحيوان وقيل : القرد وحده يضحك ولا يبكي وإنّ الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يونس بن الحسين : سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة ؟ فقال : ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم وعن عائشة قالت : « لا والله ما قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال إنّ الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإنّ الله تعالى هو أضحك وأبكى » « 5 » . تنبيه : قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وما بعده يسميه البيانيون الطباق المتضادّ وهو نوع من البديع ، وهو : أن يذكر ضدّان أو نقيضان أو متنافيان بوجه من الوجوه ، وأضحك وأبكى لا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث 3276 ، ومسلم في الإيمان حديث 134 . ( 2 ) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 3 ) أخرجه البخاري في النكاح حديث 5221 ، ومسلم في الكسوف حديث 901 ، والترمذي في الزهد حديث 2312 ، والنسائي في الكسوف حديث 1474 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4190 . ( 4 ) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 5 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 929 .